أحمد بن محمود السيواسي
315
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 61 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ) أي بعصيانهم وشركهم فيعاجلهم بالعقوبة ( ما تَرَكَ عَلَيْها ) أي على الأرض وهو إضمار قبل الذكر بدلالة قوله ( مِنْ دَابَّةٍ ) يعني لأهلها كلها بشؤم ظلم « 1 » الظالمين ، قيل : « قد فعل اللّه ذلك في زمان نوح عليه السّلام إلا من نجا السفينة من الأناسي والدواب » « 2 » ، قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « إن الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم » « 3 » ، وقيل : « المراد من الدابة هنا المشركون » « 4 » ، وقيل معناه : لو يؤاخذكم اللّه الآباء بظلمهم لا نقطع النسل فلم يبق في الأرض أحد « 5 » ( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ ) بالفضل والعفو ( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي إلى وقت معلوم وهو منتهى آجالهم ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) أي إذا قرب وقت عذابهم ( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ) عن الوقت ( وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) [ 61 ] بالتعذيب قبل الوقت . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 62 ] وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ) أي يقولون له ( ما يَكْرَهُونَ ) لأنفسهم وهو البنات أو يعطون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها ( وَتَصِفُ ) أي وتقول ( أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) مفعول « تَصِفُ » ( أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ) بفتح « أَنَّ » في محل النصب بدل من « الكذب » ، أي تقول ألسنتهم أن لهم البنين لقول قريش لنا البنون ، وقيل : « الْحُسْنى » الجنة « 6 » ، يعني لنا الجنة في الآخرة مع أعمالهم الخبيثة كقوله لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى « 7 » ، ثم قال تعالى ( لا جَرَمَ ) أي حقا ( أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) يوم القيامة ( وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ) [ 62 ] بكسر الراء ، أي مسرفون في العصيان على أنفسهم ، وبفتحها « 8 » ، أي متروكون في النار منسيين من أفرطته إذا تركته ، وقيل : « متقدمون إلى النار » « 9 » ، ومنه حديث النبي عليه السّلام : « أنا فرطكم على الحوض » « 10 » ، أي مقدمكم وإمامكم عليه . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 63 ] تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) ( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا ) رسلا ( إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ) يا محمد كما أرسلناك إلى هذه الأمة ( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) الخبيثة حين أطاعوه وكذبوا الرسل ( فَهُوَ ) أي الشيطان ( وَلِيُّهُمُ ) أي ناصرهم ، يعني ليس لهم ناصر غيره ( الْيَوْمَ ) أي في زمان الدنيا أو في الآخرة ، فيكون حكاية للحال الآتية ، المعني : أنه عاجز عن نصر نفسه ، فكيف ينصر غيره ، ففيه نفي للناصر بأبلغ الوجوه أو هو قرينهم في النار ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 63 ] أي وجيع دائم في الآخرة ، فهذا تهديد للكفار وتسلية للنبي عليه السّلام ليصبر على أذاهم كما صبر الرسل قبله . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 64 ] وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) ( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ) أي القرآن ( إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) وهو دين الحق أو البعث أو الحلال والحرام ، والمراد بالمتخلفين المؤمنون والكافرون ، قوله ( وَهُدىً وَرَحْمَةً ) عطف على « لِتُبَيِّنَ » ، أي وللهداية من الضلالة وللمرحمة من عذاب النار ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ 64 ] أي يصدقون بالقرآن .
--> ( 1 ) ظلم ، س : - ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 152 . ( 2 ) عن قتادة ، انظر البغوي ، 3 / 434 . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 434 . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 3 / 152 . ( 5 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 434 . ( 6 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 239 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 435 . ( 7 ) فصلت ( 41 ) ، 50 . ( 8 ) « مفرطون » : قرأ نافع وأبو جعفر بكسر الراء مع تخفيفها للأول وتشديدها للثاني ، والباقون بفتحها مخففة . البدور الزاهرة ، 180 . ( 9 ) عن الفراء ، انظر البغوي ، 3 / 435 . ( 10 ) رواه ابن ماجة ، الزهد ، 36 ؛ وأخرج النسائي نحوه ، الطهارة ، 109 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 435 .